ابن الجوزي
274
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
ولد سنة خمس وأربعمائة ، وسمع الحديث الكثير ، وصحب أبا بكر الخطيب ، وتلمذ له وأخذ عنه [ 1 ] علم الحديث ، فصارت له به معرفة حسنة ، وسمع بقراءته الكثير من شيوخه ، وروى عنه الخطيب في مصنفاته ، وكان بغدادي المولد والمنشأ ، ثم سكن سمرقند ، وأملى الحديث بأصبهان وغيرها ، وكان يرجع إلى عقل كامل ، وفضل وافر ، ورأي صائب ، وصنّف فأجاد ، وكان له دنيا وافرة ، وكان يملك نحو أربعين قرية بنواحي كش ، وكان يخرج زكاة ماله ثم يتنفل بالصدقة الوافرة ، فكان ينفذ إلى جماعة من الأئمة الأموال إلى كل بلد واحد من ألف دينار إلى خمسمائة إلى سبعمائة [ 2 ] ، فربما بلغ ببعثه عشرة آلاف دينار ، وكان يقول : هذه زكاة مالي ، وأنا غريب لا أعرف الفقراء ففرقوها أنتم عليهم ، وكل من أعطيتموه شيئا من المال فابعثوه إليّ حتى أعطيه عشر الغلة ، وكان يصرف أمواله إلى سبل البر [ 3 ] . وحسده قاضي البلد فقال للخضر بن إبراهيم وهو ملك ما وراء النهر : إن له بستانا ليس للملوك مثله . فبعث إليه إني أريد أن أحضر بستانك . فقال للرسول : لا سبيل إلى 133 / أذلك ، لأني عمرته من المال الحلال ليجتمع عندي فيه / أهل الدين ، فلا أمكنه من الشرب فيه . فأخبر الأمير فغضب ، وأعاد الرسول فأعاد الشريف الجواب ، وأراد أن يقبض عليه فاختفى ، وطلب فلم ير ، فأظهروا أن الخضر قد ندم على ما كان فعل ، فظهر فبعث إليه الأمير بعد مدة نريد أن نشاورك في مهمات ، فحضر فحبسه واستولى على أمواله . فحكى بعض وكلائه قال : توصلت إليه وقلت إنهم يأخذون مالك من غير اختيارك فأعطهم ما يريدون وتخلص . فقال : لا أفعل وقد طاب لي الحبس والجوع ، فإنّي كنت أفكر في نفسي منذ مدة وأقول من يكون من أهل [ 4 ] بيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلم لا بد أن يبتلى في ماله ونفسه ، وأنا قد ربيت في النعم والدولة ، فلعل في خللا ، فلما وقعت هذه الواقعة
--> [ 1 ] في الأصل : « وأحدث عنه » [ 2 ] في الأصل : « سبعمائة إلى خمسمائة » [ 3 ] في الأصل : « إلى جهة البر » . [ 4 ] « أهل » سقطت من ص ، ت .